|
تحية من ذاكرة طفلة لأرواح شهدائنا
خاص - موقع العمارين- من ذاكرة المنافى - تونس
"تركنا فيك خير ما فينا تركنا شهدائنا الذين نوصيكم بهم خيرا" ، بهذه الكلمات الصادقة و الرقيقة ودع الفلسطينيون على لسان الشاعر الخالد محمود درويش تونس لآخر مرة في رحلة المنافي العربية التي بدأت منذ 48 حتى بداية التسعينات و توجت بعودة جزئية إلى فلسطين اثر اتفاق أوسلو.
تذكرت هذه القصيدة الرائعة لمحمود درويش و خاصة هذا البيت المميز ، الذي أشار من خلاله إلى شهداء الغارة الإسرائيلية التي شنتها الطائرات الصهيونية على مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في ضاحية حمام الشط بتونس يوم 01 أكتوبر 1985 ، وسميت بعملية "الساق الخشبية " . أسفرت هذه الغارة الوحشية عن مذبحة حقيقية سقط خلالها نحو 60 شهيدا بين فلسطيني وتونسي ، إلى جانب أكثر من 100 جريح ، وتم تدمير مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات..
ترقد اليوم جثامين شهداء فلسطين من "فلسطينيين وتونسيين" في مقبرة خاصة بهم في نفس المدينة .
اثنان و عشرون سنة مرت على هذه الغارة الوحشية التي سالت فيها دماء الشعبين و امتزجت إلى الأبد لتسجل مدى همجية و عنف العدو ووجه الفاشي الذي ما لبث يعبر عنه كل مرة دون خجل أو خوف. عشرون عاما و شهداء فلسطين يرقدون بسلام تحرس قبورهم تله صغيرة ، وغير بعيد عنهم يهدر البحر حاملا إليهم نسمات الوطن البعيد القريب ، ترعاهم عيون أهالي المنطقة الذين عايش الكثير منهم بعض هؤلاء الشهداء.
انتظرت في يوم ذكرى هذه الغارة الغاشمة ( 1 أكتوبر ) الجاري أن تشير وسائل الإعلام إليها، أن تنوه بمرور هذا الحدث الأليم، لكن للأسف كان هناك غياب إعلامي مطلق.
شهدائنا يستحقون منا التفاتة في ذكري استشهادهم ، التفاتة تكون بسيطة و معنوية إلا أنها ذات قيمة كبيرة و دلالات هامة، خاصة في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الأمة العربية بوجه عام.
إن شهداء الوطن يستحقون منا أن نترحم علي أرواحهم الأبية في يوم استشهادهم، و هو أقل ما يمكن أن نقدمه لهم.
تحتفل تونس سنويا بذكرى شهدائها الذين سقطوا إبان فترة الاستعمار الفرنسي في عيد خاص بهم و هو " عيد الشهداء" و الذي يوافق يوم 9 ابريل من كل سنة و هو يوم عطلة رسمي، يتذكر فيه الوطن أبناءه الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل حريته و كرامته. شهداء حمام الشط هم أيضا أبناء هذه الأرض الطيبة، سقطوا ليس فقط فداء لوطنهم الأم «تونس" بل هم أيضا شهداء فلسطين و كل شهداء فلسطين هم شهداء الأمة، و يستحق منا شهداء الأمة تقديرا و عرفانا بالجميل في يوم رحيلهم.
لا أبالغ في تحميل وسائل الإعلام ذنب هذا التقصير و السهو الواضح ، فما لمسته لدى بعض الأشخاص العاديين و خاصة الشباب و الطلبة عندما خطر لي أن اسألهم بماذا يذكرهم يوم 1 أكتوبر 1985 ؟ قد يشفع لي ، حيث فوجئت بجهل مطلق لديهم لما يمكن أن يمثله هذا التاريخ فعدلت السؤال و صغته بأسلوب مباشر :
"هل تذكرون غارة حمام الشط ؟" فكانت الإجابات صادمة، لا احد مطلقا يذكر هذه الغارة و كأنها انمحت من تاريخ تونس، و كأننا لم نتعرض لعدوان غاشم ولم يسقط شهدائنا ضحايا اعتداء لم تحترم فيه إسرائيل المواثيق الدولية، و اخترقت الأجواء التونسية في وضح النهار لتعلن للعالم أنها لا تحترم سيادة أي دولة عربية، و إن لم تكن في صراع مباشر معها أولم تكن من دول "الجوار" أو "الطوق" .
شخصيا أذكر هذه الغارة و إن كنت طفلة حينها ، خاصة أنني من سكان نفس المنطقة (الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس ) و لا تبعد مدينتي عن مدينة حمام الشط إلا بعض الكيلومترات القليلة ، و قد عشت أجواء الصدمة و الارتباك و الدهشة يومها عندما جاءت جدتي لاصطحابي من المدرسة و هي التي لم يكن من عادتها فعل ذلك سابقا .
اليوم اكتب من ذاكرة طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة وقتها ، إلا أن الصور و الأصوات و حتى الانفعالات لا تزال حيّة إلى حد الضجيج في ذاكرتي كأنها حصلت اليوم ، لا زلت اذكر دموع زميلتي سعاد بالمدرسة و التي كانت تقطن في حمام الشط ، كانت تخشى أن يكون أهلها من ضحايا الغارة و لا اذكر الآن إن كان أهلها ممن استشهدوا ، إلا أنها غادرت المدرسة، و لم تعد إليها من يومها و انقطعت عنا أخبارها.
إن تاريخ الوطن هو ملكنا و من العار أن ننتمي إلى وطن نجهل تاريخه ، و الشهداء هم الجزء الأكبر و الأهم من هذا التاريخ ، فكيف ننساهم و نهمل ذكراهم ، لقد أحسست بالأسى و أنا أهيم في المسافة الشاسعة التي تفصل الشباب و الطلبة عن حدث تاريخي هام كهذا. شعرت أيضا بالخجل، و تأكدت أكثر من أن للإعلام دورا هاما يجب أن يضطلع به، و هو توعية و تثقيف كل هذه الأجيال الشابة من اجل وطن جميل لا ينسى شهداءه الذين هم "خير ما فينا".
|